"خط الصدع؟ في مدارك وسياسات الأزمة السورية" لعقيل محفوض

صدر حديثاً عن دار الفارابي كتاب للباحث السوري الدكتور عقيل سعيد محفوض بعنوان "خط الصدع؟ في مدارك وسياسات الأزمة السورية، قراءة تفكيكية"، وذلك في 376 صفحة.

بدأت الأزمة السورية في آذار/مارس 2011 بوصفها حدثاً، صادماً، وغير مسبوق، وحدّاً فاصلاً، ولا متوقعاً، وخلافياً، وارتيابياً، وما بعد حداثيّ. وكانت السمة الأبرز لها، أنها حدثٌ عابرٌ وموقتٌ، ومحكومٌ بنهاية سريعة تتمثل بإسقاط "النظام" وانتصار المعارضة، أو العكس. وفي الوقت الذي كانت "المعارضة" وحلفاؤها يتحدثون فيه عن أيام معدودة للسيطرة على دمشق، كان الرئيس بشار الأسد يتحدث في مرحلة مبكرة عن أزمة مديدة و"معركة غير مسبوقة في تاريخ سورية الحديث".

استخدم الرئيسُ بشار الأسد تعبير "خط الصدع"، لتوصيف الحدث السوري وموقعه في عالم اليوم، في بُعدٍ دلاليٍّ مركّبٍ، مُستمد من الجيولوجيا وعلوم الزلازل وتاريخها في المنطقة نفسها. ويتركز البعد الدلالي الرئيس للمفهوم على الرهانات الإقليمية والدولية حول الحدث السوري الذي يمثل، بكل إثارته وغموضه وتعقيده، وبالمخاوف والهواجس المُحيطة به، مُناسبة لتقديم مقاربة معرفية تفكيكية، واقتراح إطار مفاهيمي للنظر فيه، بما يساعد على جلاء الأمور، وتفكيك الغموض "غير الخلّاق"، وربما الخروج من نمطية الاصطفافات التقليدية المتوترة والعنيفة، التي تميل عادة إلى تقسيم الشأن السوري والسوريين والمهتمين به، إلى "فسطاطين"، مُوالين – معارضين، وطنيين – خونة، متظاهرين – مندسين، وأخيراً إلى مؤمنين – كفار، ونَوَاصِب – رَوَافِض، وكل التنويعات والتجليات المنتشرة منذ بعض الوقت في الفضاء السياسي والإعلامي.

*

يتألف الكتاب من مقدمة وستة فصول، تتضمن المقدمة الإطار المنهجي والمداخل العامة للكتاب وإشكاليته، وإطلالة على الأدوات المعرفية والمفاهيمية المستخدمة في التحليل. الفصل الأول بعنوان قراءة الأزمة: مقاربة منهجية – معرفية، وفيه طرح سؤال رئيس حول ما هي قراءة الحدث السوري أو الحدث السياسي. ويتضمن الفصل مفهوم القراءة، ومتطلباته أو اشتراطاته المعرفية، والتفكيك، بالإحالة إلى غاستون باشلار وجاك دريدا وغيرهما.

الفصل الثاني بعنوان: الحدث السوري مقاربة تفكيكة، وينطلق من مقولة رئيسة تتمثل بأن ما يجري في سورية هو "حدث" بكل المعاني والدلالات المحتملة أو الممكنة لمفهوم "الحدث". ويتألف البناء المنهجي فيه من مفهوم رئيس هو مفهوم "الحدث"، ومفاهيم فرعية يتضمنها كل بعد من أبعاده المقترحة في الفصل، مثل: "لا متوقع"، و"غير مسبوق"، و"الصدمة"، و"الحد الفاصل"، و"خلافي"، و"الفرصة السانحة"، و"التحديات الماثلة، و"الارتياب"، و"اللجة"، الخ.

ويخلص الفصل إلى أن تناول الحدث السوري، هو نوع من مقاربة "تفكيكية" لأبعاد المشهد السوري، تطال أيضاً مُسبقاته وخلفياته والإمكانات أو الاحتمالات النشطة لتطوره. وإن الخطاب السياسي حول الحدث مشدود لما "يأمله" الخطاب (وأصحابه) بأكثر مما "يقتضيه" الواقع. وإن ما يجري في المشهد السوري هو نتيجة "توافق موضوعي" بين عوامل وفواعل عديدة، داخلية وخارجية، واقعية وافتراضية، (الخ).

الفصل الثالث: سياسات إدارة الأزمة السورية: "الإدارة بالأزمة"، ويحاول تقصّي سياسات إدارة الأزمة السورية، وينطلق من مقولة أساسية تتمثل بـ "الإدارة بالأزمة"، حيث تكون الأزمة هي نفسها "الجذع" الذي تتمخض عنه أو تتولد منه "الحلول" للاختناقات والتجاذبات الراهنة.

ويخلُص الفصل إلى أن سياسات إدارة الأزمة، هي حتى الآن، محكومة بمنطق "المباراة الصفرية". وتتسم "الإدارة بالأزمة"، بحضورٍ نشطٍ لدينامية "الإخفاق المُتَوَقَّع"، وهي استراتيجية كل الأطراف تقريباً، إذ تُطرح المبادرات على الرغم من علم كل طرف – على نحو شبه يقيني! – بأن الآخر سوف "يُخفق" في الاستجابة الجدية لها. كما يَحدُثُ "تطييفٌ" و"مَذْهَبةٌ" مُتسارِعَة للأزمة، واستهدافٌ مريب للتكوينات "الإثنية"، وهذا بصرف النظر عن فواعله ومُحرِّكَاتِه في الداخل والخارج، إلا أنه يُفصِحُ عن "توافق موضوعي" – أيضاً وأيضاً – لدى مختلف الأطراف، لتوظيفه في إدارة الأزمة!

يتناول الفصل الرابع "الصدوعَ" في مدارك وسياسات الأزمة السورية، من خلال مقاربة مفاهيمية تفكيكية، تقوم على ديناميتين: الأولى، هي "تفكيك" الحدث، والثانية، هي "عمارة" أو "تركيب" مفهوم "الصدع" أو "خط الصدع". وتفترض الدارسة أن الحدث السوري كان -في جانب منه- نتيجة صدوع في المدارك النمطية حول سورية، كما كان سبباً في صدوع أخرى على صلة بها أيضاً.

يخلص الفصل إلى حدوث أنماط من الصدوع، مثل: صدوع "تمركُز" السياسات العالمية حول واشنطن، وصدوع أنماط المدارك والتفاعلات بين مختلف القُوى والفواعل الإقليمية والدولية، ليس فيما بين التحالفات فقط، وإنما داخل كل منها، وبين مكوناتها، وحتى داخل بعض وحداتها وفواعلها بالذات.

كما يتناول الباحث تحديات وتحولات المسألة الكردية في سورية، من خلال تحليل العلاقات بين دمشق و"كردها"، والتساؤل عن طبيعة التجاذبات بينهما قبل الأزمة وخلالها، ولماذا لم تتمكن ديناميات العلاقة من الاستمرار، وتعرُّضها لأزمات وخَضّات متتالية، والبحث عن العوامل التي دعت الطرفين للتعاون خلال الأزمة، وتحديد دينامية التفاعل، ثم المفاضلة بين روسيا والولايات المتحدة، ولماذا مالت الفواعل الكردية إلى الأخيرة، وهل إن الدافع وراء الأزمة هو بحث تلك الفواعل عن "جغرافيا مؤسسة"، وكيف أثر منطق "الفرصة السانحة – المخاطر الماثلة" في موقف الكرد من الحدث السوري؟

يتناول الفصل الخامس "أولويات الأمن الوطني في سورية"، بوصفها إحدى الاستجابات الممكنة، تُجاه تحديات ومصادر تهديد وجودية غير مسبوقة. وينطلق من سؤال رئيس: ما هي أولويات الأمن الوطني في سورية، في حالة الأزمة أو الحرب، وفي أوضاع بالغة التعقيد وخلافية، إلى حدِّ أنَّ ما يُعدُّ تهديداً من منظور طرف، يمثّل فرصةً من منظور طرف آخر، وحيث يكون التوافق على معاني الوطن والمجتمع والدولة والسياسة، ومَنْ هو العدو، أول تحديات الأمن.

ويخلص الفصل إلى ضرورة تركيز الجهود، على مراجعة مدارك وسياسات الأمن الوطني، في ضوء خبرات وتجارب الحرب، والعمل على تأصيل و"تجذير" مفاهيم الأمة والوطن في سياق إقليمي عموماً، وفي سورية التاريخية والحضارية خصوصاً، بوصفها أساساً وعمقاً استراتيجيّاً للدولة الوطنية. ذلك أنَّ سورية لا يمكن أن تكون آمنة، من دون إطارها التاريخي وعمقها الجيوستراتيجي، وأي استراتيجية أمن تغفل ذلك مصيرها الفشل.

على الرغم من الجهد النظري والمنهجي والتحليلي في الكتاب، إلا أنه لا يخرج كثيراً عن حدود أو طموح ما يحدده بمعنى "المقاربة النظرية" أو "القراءة"، التي تنطلق من رؤى ومفاهيم، ولكنها لا تغوص في التفاصيل، وقد تمضي معها إلى حيث تتلمس طريقها، ولكنها لا تلتزم بالوصول إلى نهاية الطريق، وذلك بقدر مناسب من "المرونة" و"الحذر".

على الرغم من أن الأزمات أو التحديات الكبرى هي التي تخلق استجابات وتحولات كبرى، إلا أن الأمل بتجاوز المحنة في سورية يشكل عبئاً نفسياً ومعنوياً ومادياً مضافاً إلى أعباء "الحدث" نفسه، ويبدو مكابدة أخرى، وهذا – مع كل الإحباط والتشاؤم الناشئ من "قراءة عقلانية" للأمور، إلا أن "تفاؤل الإرادة" هو الذي يزيد الأمل في تجاوز المحنة، وهذا هو رَدُّ "تفاؤل الإرادة" على "تشاؤم العقل"، بتعبير معروف لـلمفكر غرامشي.

إن ما يشهده عالم اليوم، وخصوصاً منه المنطقة العربية، وبالأخص منها سورية، هو أمر "غير مسبوق" لجهة تحولاته ووقائعه، وهواجسه وطموحاته، وما يَعِدُ به أو يُحيل إليه، الخ؛ ولا بد أن يكون مصدر الحاجة للقيام بمراجعة عميقة لـ اللحظة السورية الراهنة، وبخاصّة مدارك السوريين حول هويتهم، وكيانيتهم، ودورهم، الخ، وهذا جزء فقط من مفردات الوجود الراهن لسورية.

تبقى الإشارة إلى أن الفصلين الثاني والثالث هما في الأصل دراسات كتبت بشكل منفصل، ونشرت لدى المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وأما الفصول الرابع والخامس والسادس فقد نشرت لدى مركز دمشق للأبحاث والدراسات، مداد. وقد تمّت مراجعتها وإعادة كتابة فقرات وإضافة فقرات أخرى، حيثما كان ذلك ممكناً أو مناسباً.

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق