8 شباط .. اغتيال الزعيم

تمر اليوم الذكرى الخامسة والخمسون لانقلاب الثامن من شباط سنة 1963 الذي قامت به مجموعة من الضباط من التيار القومي – البعثي بقيادة وتخطيط القيادة القطرية لحزب البعث العراقي وبمشاركة عناصر ميليشاوية مسلحة تابعة لهذا الحزب.
لقد اسفر هذا الانقلاب عن اسقاط سلطة ثورة – حركة 14تموز 1958 ورمزها الأبرز والأهم الزعيم عبد الكريم قاسم الذي قام الانقلابيون باغتياله وإعدامه في اليوم التالي للانقلاب (9شباط)، وذلك بعد اجراء محاكمة صورية سريعة وإطلاق النار عليه في دار الإذاعة العراقية آنذاك, هذا إضافة الى قتل وإعدام عدد من الضباط المؤيدين له.
اغتيال قاسم بإعدامه شكل جريمة مروعة هزت ضمير ووجدان اغلبية الشعب العراقي آنذاك بسبب المكانة والتقدير اللذين حظي بهما لدى هذه الأغلبية نظرا لنزاهته وبساطته والكثير من إنجازاته التي قامت بها سلطته منذ 14 تموز 1958 اما انقلاب 8 شباط ذاته فقد مثل جريمة بحق الشعب العراقي وفي مسار التطور السياسي والاجتماعي للعراق الحديث, حيث شكل قطيعة مع المسار الذي كان يتجه اليه العراق نحو التحول والسعي لبناء تجربة ديمقراطية وليدة تحمل إمكانات كبيرة للتحقيق, حيث تؤشر على ذلك الكثير من الإنجازات التي حققتها سلطة 14 تموز بقيادة عبد الكريم قاسم على الصعد السياسية والاجتماعية والعمرانية ولمصلحة قطاع واسع من الشعب
العراقي.
ولعب عبد الكريم قاسم نفسه دورا قياديا في الإعداد وقيام ثورة 14 تموز, وكذلك لعب دورا في قيادة وتوجيه سلطتها السياسية مع مجموعة من الضباط والشخصيات المدنية المؤيدة له وذلك حتى انقلاب 8 شباط واسقاط النظام السياسي الجديد الذي حاولت ثورة 14 تموز وقيادة قاسم بناءه وتطويره كنظام بديل للنظام الملكي الذي قامت تلك الثورة على
انقاضه.
لكن عبد الكريم قاسم ما كان له ولا بمقدوره, ولا لغيره, ان يقوم كشخص ببناء تجربة حكم جديدة مهما كان دور الفرد مهماً في التاريخ, وذلك يعني انه كان على قاسم ومجموعته من المعاونين او المشاركين له في السلطة من العسكريين والمدنيين, ان يمثلوا او يعبروا عن شرائح وقوى اجتماعية فاعلة ترى من مصلحتها دعم ومساندة السلطة السياسية لهذا النظام وقيادته, غير ان ذلك لم يتحقق طيلة السنوات الخمس من عمر ثورة 14 تموز، حيث كان التردد والتخبط في سياسات ومواقف سلطة النظام التي يقودها قاسم ومعاونوه دون حسم واضح ودون التأسيس للركائز الحقيقية التي يقوم عليها النظام الوطني الديمقراطي في مرحلة تحوله، اذ كانت تلك السلطة تعلن عن نيتها لفعل ذلك لكن دون ان تتمكن من تحقيق ما كان يجب القيام به في ظروف كانت ملائمة مرة وغير ملائمة مرة أخرى, كإقرار دستور دائم واجراء انتخابات نيابية
ورئاسية.
لقد أضاع انقلاب 8 شباط بجريمة تصفية ثورة 14 تموز وطموحاتها, وبجريمة اعدام وتصفية عبد الكريم قاسم ورفاقه، فرصة وضع العراق وشعبه على طريق التحول الديمقراطي, وبدلا عن ذلك مهد هذا الانقلاب الطريق لمجيء البعث الصدامي ثانية الى السلطة في 17 تموز 1968، الأمر الذي ألحق بالعراق وشعبه ويلات وكوارث لا نزال نعاني منها حتى
الآن.
إن ذكرى انقلاب 8 شباط المؤلمة التي ارتكب فيها الانقلابيون مجزرة دموية رهيبة بحق العراقيين, ينبغي ان تكون درسا لرفض أي انقلاب عسكري دموي بشكل عام وضد أي انقلاب يطيح بنظام ديمقراطي قائم يدفع بالعراق نحو الاسوأ.
لقد ذهب انقلابيو 8 شباط, وسلطتهم الى مزبلة التاريخ, بينما اعيد الاعتبار, بعد وقت قصير من اغتياله, للزعيم عبد الكريم قاسم ولأهداف ثورة 14 تموز التي تتجدد ذكراها كل عام, رغم محاولات البعث الصدامي محو آثارها وذكراها دون جدوى.

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق