البحرين .. سبع سنوات على الانتفاضة

حسن قمبر – الاخبار

بعد مرور سبع سنوات على انطلاق انتفاضة 14 شباط/ فبراير في البحرين، قد يظن البعض أن شريطها توقف عند ذلك المشهد المغطّى بدخان كثيف، إثر حرق خيام المعتصمين في دوار اللؤلؤة، مركز الاحتجاجات الشعبية في قلب العاصمة المنامة.

وقد يتصور آخرون أن الناس عادوا إلى منازلهم تنفيذاً لأوامر وزير الخارجية السعودي الراحل، سعود الفيصل، الذي أصرّ على دخول قوات بلاده إلى البحرين، لقمع أكبر موجة احتجاجات سلمية تشهدها البلاد في تاريخها الحديث. أما الحقيقة، فهي أن هذه الصورة، وغيرها الآلاف، عَلِقت في ذاكرة البحرينيين، لتُشكّل نقطة انطلاق جديدة نحو مسارات مختلفة وابتكارات نوعية.
لقد توقف الشريط فقط لدى النظام الحاكم، الذي عمد إلى سدّ أبواب الحوار مع المعارضة، عبر اعتقاله زعيم أكبر جمعية سياسية في البلاد (الشيخ علي سلمان، الأمين العام لجمعية «الوفاق») من جهة، وإدارته الأذن الطرشاء لمناشدات المنظمات الحقوقية الدولية ومطالبات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بتحسين أوضاع حقوق الإنسان في البحرين، والتوقف عن «سحق المعارضة»، وتنفيذ توصيات اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق، من جهة ثانية. لم يكن رد السلطات العملي على تلك المطالبات إلا مواصلة نهج قمع المطالبين بالتحول الديمقراطي، وتسويق مزاعم انتهاء الأزمة السياسية، على الرغم من الدعوات المكررة الموجهة إليه لحلحلة الأوضاع السياسية العالقة، التي تجاهلها تماماً هي الأخرى، وفضّل تفعيل الخيارات الأمنية بدعم من شركائه الإقليميين.
قد يكون عام 2017 العام الأكثر تجلية لسياسات النظام الحاكم، والمؤشر الأقوى على تعاطيه الصلِف مع الأزمة السياسية المتصاعدة، بالتوازي مع تدهورٍ اقتصادي مستمر تشهده المملكة الخليجية الصغيرة، وارتفاعٍ متزايد في منسوب الدين العام. ارتفاعٌ يُعزى إلى التكلفة الباهظة لتوسيع مروحة الخيارات الأمنية، والمتمثلة في فاتورة صفقات التسلح العسكري والأمني التي استهلكت أكثر من نصف الميزانية العامة للدولة، وفقاً لتقارير غالبية منظمات التصنيف الائتماني الدولية المعتمدة. هذا الإنفاق تجسدت مفاعيله، السنة الفائتة، في انتهاكات متعددة كان أبرزها تصفية نشطاء في عرض البحر، وتنفيذ حكم الإعدام بحق آخرين، وإصدار أحكام إضافية بالإعدام من قبل محاكم عسكرية فُعِّلَت سلطتها بوجه المدنيين. إلا أنه، على الرغم من كل محاولات الترهيب والتيئيس تلك، تمضي المعارضة بمختلف أطيافها في رسم خريطة طريق جديدة في مسار الاحتجاجات، مُستقبِلةً عام 2018 بإصرار على «(أننا) باقون»، بـ«إرادة أقوى».

رسالة صمود

القيادي في «ائتلاف شباب ثورة 14 فبراير»، ضياء البحراني، يقول، في حديث إلى «الأخبار»، إن فعاليات «القوى الثورية» هذه السنة تحمل شعار «باقون»، مضيفاً أن هذا الشعار يأتي كـ«رسالة صمود ومقاومة وثبات على الموقف والأهداف التي ترجمتها الجماهير عملياً في الساحات والميادين على مدى السنوات السبع الماضية». ويؤكد البحراني «رفض أي تسوية هزيلة تُبقي الحكم الديكتاتوري الفاسد، وتصادر حق الشعب في تقرير مصيره السياسي»، لافتاً إلى أن «ثورة الشعب البحريني العادلة والمشروعة والمحقة فرضت نفسها في المحافل الدولية، وهي ثورة فريدة من نوعها في جميع تفاصيلها، وأثبت خلالها شعب البحرين أنه على قدر عالٍ من المسؤولية والتحمل والصبر، وأنه يمتلك نفساً طويلاً وإرادة تتعاظم كلما مرت الأيام والسنون».
ويشدد القيادي في الائتلاف المعارض، في ختام حديثه، على أن «شعب البحرين الذي صمد وضحّى وقدم أنموذجاً راقياً في المواجهة يستحق نظاماً ديمقراطياً جديداً يتناغم مع طموحاته المشروعة، وتطلعاته لمستقبل البحرين الجديدة التي يسودها العدل والمساواة، وينال شعبها استقلاله الكامل وسيادته على أراضيه، وينعم بالحرية والحياة العزيزة الكريمة».

تمسك بالتغيير

من جهته، يشير الناشط السياسي، علي الفايز، في حديث إلى «الأخبار»، إلى أن «البحرين تعيش أزمات متفاقمة لأسباب عديدة، أبرزها بنية النظام الحاكم القبلية، وعقليته الاستبدادية، وعقيدته غير الوطنية المستندة إلى الخارج، فسلوكه ينمّ بوضوح عن عدم إيمانه بالانتماء إلى البحرين وطناً، واعتقاده أنها غنيمة أو ملك خاص، وأن الشعب جزء من هذه الأملاك، وليس مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، ولهم حق الشراكة في القرار والثروة، وعلينا حيال ذلك أن نخوض معركة سياسية لإيجاد حلول جذرية للأزمة الدستورية، لضمان أمن البلاد واستقرارها».

ويتابع الفايز: «هذا السلوك يقودنا إلى تفسير تصاعد الأحكام القاسية وأحكام الإعدام وإسقاط الجنسيات، إضافة إلى التهجير القسري وإشهار سلاح القضاء العسكري»، مؤكداً في الوقت نفسه أن «هذه الإجراءات فشلت في كسر إرادة أبناء البحرين، وأظهرت النظام عاجزاً أمام الإرادة الشعبية، حتى أصبح معزولاً على الصعيد الداخلي، ومهزوماً نفسياً رغم حجم قدراته العسكرية والأمنية، وحصوله على الدعم الإقليمي والدولي والسياسي والإعلامي والمالي والاستخباراتي».
وينبه إلى أن «قدرة شعب البحرين على إدارة معركته طوال السبع سنوات الماضية، أفضت إلى رفع وتيرة تعنت النظام»، لافتاً في هذا السياق إلى «استهداف آية الله الشيخ عيسى قاسم بوضعه قيد الإقامة الجبرية ومحاولة تجريمه بين حين وآخر، تزامناً مع استمرار المساعي لإشعال فتنة طائفية بمنع أكبر صلاة جمعة للمكون الشيعي في البلاد، واستهداف فرائضه وشعائره الدينية، إلى جانب استمرار محاكمة الأمين العام لجمعية الوفاق الشيخ علي سلمان، الذي يشكل أحد نماذج الإقصاء والتهميش الكامل للشعب على المستوى السياسي، علماً بأن الشيخ سلمان ارتقى قبة البرلمان بقرابة 65% من الصوت الانتخابي وفق الأرقام والإحصاءات الرسمية... كل ذلك يجعلنا نتمسك بالتغيير والحل الكامل والجذري، ويدفعنا إلى الإصرار أكثر بنَفَسٍ أطول وإرادة أقوى».عام دموي

على مستوى الانتهاكات المرتكبة بحق النشطاء والمواطنين، يقول رئيس «منظمة سلام للديمقراطية وحقوق الإنسان»، جواد فيروز، إنها تزايدت خلال عام 2017 «بعد تنفيذ حكم الإعدام بحق ثلاثة مواطنين، وإصدار أحكام بإعدام 22 مواطناً آخرين، وقتل خمسة عشر مواطناً خارج إطار القانون، وإسقاط الجنسية عن 288 مواطناً، ليرتفع بذلك عدد المسقطة جنسياتهم إلى 578 مواطناً، وترحيل تسعة عشر مواطناً قسرياً حتى الآن، بالإضافة إلى فرض الإقامة الجبرية على الزعيم الديني آية الله الشيخ عيسى قاسم بعد إسقاط جنسيته ومصادرة الأموال والحقوق الشرعية التي في حوزته، فضلاً عن القضاء على العمل السياسي في البلاد بحلّ جمعيتي الوفاق ووعد، ومصادرة الحريات الإعلامية بإغلاق الصحيفة المستقلة الوحيدة في البحرين (الوسط)».
ويؤكد فيروز، في حديث إلى «الأخبار»، أن «الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية والحقوقية في تدهور مستمر، بعد استهداف رجال الدين والنخب السياسية والنشطاء الحقوقيين بالاعتقال التعسفي، وتعريضهم لأبشع أنواع التعذيب في غرف الموت، وتهديد الأجهزة الأمنية لذوي الضحايا ومنعهم من السفر، إضافة إلى حزمة الأحكام القضائية القاسية، وتصاعد القبضة الأمنية، وتمكينها من الحريات العامة والحقوق المدنية والسياسية للمواطنين، في ظل انتهاج السلطات في البحرين سياسة الحكم المطلق للأسرة الحاكمة، وغياب التداول السلمي للسلطة، وإقصاء المواطنين عن المشاركة في إدارة شؤون البلاد وفق دستور عقدي، فضلاً عن عدم استقلال السلطات الثلاث، وضعف صلاحيات السلطة التشريعية وانعدامها».


«الوفاق» تطرح قريباً مشروعها السياسي

اتهم نائب الأمين العام لجمعية «الوفاق» المعارِضة، حسين الديهي، النظام بالعمل على «إقصاء الشخصيات الوطنية، وتصدير شخصيات بديلة منها بهدف فرضها على المواطنين»، واصفاً ذلك بـ«الأسلوب البالي»، مخاطِباً السلطات بالقول: «أنتم واهمون، لأن جمعيات الوفاق وأمل ووعد وجود أصيل وراسخ». وفي كلمة له مساء أمس بمناسبة الذكرى السابعة لانطلاق الانتفاضة، أعلن «(أننا) سنطرح في الفترة المقبلة مشروعنا السياسي»، الذي سيكون «متاحاً أمام الحكم والقوى المختلفة لتشكل رؤية مشتركة تقوم على أساس أن الشراكة السياسية هي التي توفر الاستقرار الدائم». ونبه إلى أن «ما يحاول النظام اليوم تسويقه من أنه استطاع أن يتقدم قليلاً هو جزء من الهزيمة النفسية». وبشأن محاكمة الأمين العام لـ«الوفاق»، علي سلمان، أكد أن «القضية المنظورة الآن لا تشكل قضية حقيقية ولا تهمة يُعتدّ بها»، مبيناً أنها «تتعلق بمبادرة أميركية خليجية شاركت فيها السعودية وقطر والنظام البحريني والمعارضة»، وأنها «مذكورة في تقرير بسيوني وفي غير مستند رسمي»، مستهجناً وصفها بـ«قضية تخابر».
(الأخبار)

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق