يوم الأرض وصراع البقاء الفلسطيني

عندما نقول إن يوم الأرض  شكل محطة نوعية في مسيرة جماهير الداخل الفلسطيني، نعني أنه حولها بعد سنوات من تراكم المعاناة والقهر، من بقية باقية تبكي أطلال وطن ضاع وشعب تشتت شمله، إلى "كيان سياسي" تجتمع فيه الأرض والهوية، وتتعرضان لهذا السبب، معا وكل على حدة، لمحاولات السحق والتبديد والمصادرة.

لقد كشفت مخططات التهويد التي خرجت للعلن عشية يوم الأرض 76، لجماهيرنا قوتها غير المحسوسة في إعاقة المشروع الصهيوني ومنع بسط هيمنته على كامل الأرض، وخاصة الواقعة في أطراف الوطن على غرار الجليل والمثلث والنقب. كما أبرزت ما تشكله من وزن كمي ونوعي في مواجهة مشاريع التهويد الاستيطانية التي تستهدف تلك المناطق.

تلك المخططات التي تعاملت مع ذاتها كجزء من المشروع الاستيطاني الذي لم ينته باحتلال الأرض عام 1948، تعاملت مع جماهيرنا كجزء من العدو الذي لم تنته الحرب ضده في الـ 48، كونه ما زال عائقا أمام عمليات الاستيطان التي بدونها لا تكتمل عملية السيطرة على الأرض، وفق العرف الصهيوني، ولذلك عمدت تلك المخططات إلى تقطيع أوصال ما تبقى من شمل، عبر زرع البؤر الاستيطانية في قلب التجمعات الفلسطينية، ومنع التواصل بين أطرافها، إلى جانب خلق مناطق ذات تتابع استيطاني صهيوني، وقد أقيمت لهذا الغرض مدن يهودية هي "معالوت" 1857، و"نتسيريت عيليت" 1957، و"كرميئيل" 1964.

ولم يقتصر هدف تلك السياسة الاستيطانية على قلب التوازن الديمغرافي السائد، وخلق أغلبية يهودية فقط، بل تجاوز ذلك إلى إضعاف الحضور الفلسطيني في الحيز الجغرافي عبر ربطه بالمراكز المدينية اليهودية الناشئة، والتي أقيمت على أراضي القرى والمدن العربية وأعدت لابتلاع ما تبقى أراضيها، حيث جرت مصادرة عشرات آلاف الدونمات من أراضي الناصرة وعين ماهل وكفر كنا والمشهد والرينة لإقامة "نتسيرت عليت"، كما هو حال "معالوت" التي استحوذت على أراضي ترشيحا، وفرضت عليها عنوة نموذجا لتعايش القوي والضعيف الذي لا تجد إلى اليوم سبيلا للفكاك منه، وكما هو حال "كرميئيل" التي استولت على احتياطي أراضي قرى الشاغور.

"مخطط تهويد الجليل" الذي سمي بمخطط التطوير، وكشف عنه عشية يوم الأرض 76، تحدث عن مصادرة 200 ألف دونم قيل إن 80 ألفا منها "أراضي دولة"، و50 ألفا أراض "غير يهودية". وفي الحقيقة فإن أرض الدولة المزعومة هي أراض كانت مسجلة على اسم المندوب السامي البريطاني لصالح القرى العربية المجاورة، وقد سجلت على هذا النحو لانعدام سلطات محلية تمثل تلك القرى في حينه، أي أن المخطط استهدف 130 ألف دونم من الأراضي العربية، علما أن الـ 70 ألف دونم قد جرت مصادرتها في وقت سابق، هذا ناهيك عن إعلان أرض المل التي سميت "منطقة 9" والتي تقدر مساحتها بـ 32 ألف دونم كمنطقة عسكرية.

وقد تحدث مشروع "تطوير الجليل" بصراحة عن تغيير الواقع الديمغرافي للمنطقة بقوله "إن القضية الخاصة بالجليل هي قلة السكان اليهود بالنسبة لغير اليهود الذين يؤلفون 70% من مجموع السكان"، وكشف أنه، "في عام 1973 كان عدد السكان العرب في الجليل 147 ألفا و62 ألف يهودي، وفي أطراف الجليل هناك 40 ألف من السكان غير اليهود يقطنون في ضواحي حيفا وعكا وطمرة وشفاعمرو".

والحال كذلك، كان من الطبيعي أن تكون هبة يوم الأرض 76، بمستوى التحدي الذي كانت تواجهه جماهيرنا وهو تحد وجودي، يستهدف الحضور الوطني لهذا الجزء من الشعب الفلسطيني في وطنه، وأن تؤكد الهبة من حيث نطاق أحداثها ومستوى لهيب نارها أن الصراع على الأرض هو معركة في الحرب غير المنتهية التي يخوضها الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن تواجده وبأشكال مختلفة، في وجه محاولات إبادته وتصفية قضيته والقضاء على حقوقه المشروعة، بهدف تثبيت المقولة الصهيونية "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، وما مسيرة العودة التي ستنطلق من غزة في ذكرى يوم الأرض والاستعدادات الإسرائيلية لقمعها إلا تأكيدا على هذا الفهم.

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق