متسولات لا يعرفن الفقر

نورا سعدون

تتلفع النساء بالسواد وبأعمار مختلفة بينهن الكبيرة والشابة وحتى الرضيعة بانتظار من يأتي ليأخذهن إلى العمل ساعات النهار لإعالة أسرهن بعد غياب المعيل الأساسي للبيت، مشهد غير جديد و ليس غريبا على حياة المرأة العراقية الفقيرة ففي السابق كانت تتجمع النسوة المثقلات بالمسؤوليات فجرا تنتظر  (سيارة حمل) يوميا تأتي الى مكان تجمع النساء الراغبات في العمل في ساحات أنشأت في المناطق الفقيرة لتأخذهن للمعامل ومخازن التمور والمزارع في مواسم جني التمور والذرة والحنطة والشعير، حيث يمثل موسم جني التمور في بعض المدن الفقيرة رائحة طيبة كرائحة الاعياد والمناسبات تنتظره النساء للحصول على فرصة عمل في تلك المخازن والمعامل يصطحبن اطفالهن معهن للعمل بنصف الاجر. يعملن بجد ليس له نظير في الجني ولمّ المحصول يبحثن بين الاشواك عن تمرة هنا او تمرتان هناك وهن في حال الضياع على امل العودة ثانية الى اهلن ليعتشن على بعض الدنانير وحفنة من التمر، وبعد انتهاء يوم العمل يعودن بعد مغيب الشمس يحملن على اكتافهم كارات وأحمال خفيفة واضح عليها انها زوادات غذائية.

اعتاد العراقيون أن يطلقوا كلمة (مسطر ) على اماكن تجمع العمال من الرجال وكذلك الامر بالنسبة للنساء اللاتي اضطرتهن ظروف الفقر والحياة القاسية التي أفرزتها الحروب المتتالية والاحتلال والتهجير القسري للعمل في مهن صعبة وتحت ظروف عمل قاسية، تجاوزت الجني والتغليف والتنظيف بل تعدت للأعمال الشاقة كتقطيع قوالب الطين في كور الطابوق البدائية تحت ظروف عمل صحية وبيئية سيئة وإزالة الأنقاض من البيوت المشيدة حديثا، من اجل توفير ما يلزمهن من كسوة الموسم وإيجار البيت، كل ذلك وما اليه كانت هذه تداعيات الحروب بكل وجوهها المأساوية طوال عقود طويلة.

مرت بضع  سنين ولم نر ذلك المشهد الأليم للمرأة الحاملة لطفلها الرضيع وهي ذاهبة للعمل ثانية ولم تعد تأتي "سيارة الحمل" صباحا تتجول بساحات الاحياء الفقيرة لتنقل النساء .

فاجئنا العجلة مرة ثانية  لكنها عسكرية وتجمع النساء والأطفال من عامة شوارع بغداد والمحافظات لتتزاحم اعدادهم عند مراكز الشرطة ، لم نصدق اعيننا ونحن نرى تلك السيارات وهي تحمل على ظهرها الطويل نساء من مدن كانت تعتبر في الخرائط العالمية انها اغنى مدن العالم من البصرة والناصرية وميسان وبغداد وبابل توجهت تلك النسوة إلى الشوارع مع أطفالهن هذه المرة لبيع الحلوى أو التسول او تجوال داخل الاحياء السكنية والمحال التجارية بذرائع مختلفة، تنامي حجم تلك الظاهرة وتزايد عددهم في البلاد تدفعنا للشك بأنها أصحبت عملية تجارية مربحة غير بعيد ان تقف وراءها مافيات فساد تعمل على جذب الاطفال والنساء من أجل الكسب المالي وتحقيق الارباح خاصة وان هذه النساء المتسولات لوحظ في الآونة الاخيرة تجمعهن وتنظيمهن على شكل وجبات للخروج بالأمكنة المقررة لهن، فضلا عن ان كاميرات المراقبة في الشوارع والمنازل التي تشهد عمليات سرقة  تظهر نساءً منقبات بلباس متسولات ينفذن جرائم في وضح النهار، أي فقر هذا يدفع المرأة للجرم؟

في الحقيقة بعد غياب الأمن و الظروف الاقتصادية الصعبة وعدم وجود عمل لمن لا عمل له من جهة وعدم تطبيق العقوبات الخاصة بحق المتسولين فسح المجال أمام بعض المجاميع الى استخدام الاطفال والنساء كخلايا ارهابية من نوع آخر منتشرة بكل انحاء العراق وهن في الحقيقة لا يعرفن الفقر ولا يعانين العوز المادي ويتعين على الحكومة تطبيق قانون العقوبات العراقي لمعاقبتهن وفق المواد القانونية والحد من ظاهرة التسول بعقوبات الحبس ودفع الغرامات المالية او ايداع المتسولات في دور الدولة للمصحات العقلية و ارغامهن على العمل في مكان آخر هي من تحدده .

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق