التطبيعُ خيــــــــانة

سارة سلام

إذا كانت اتفاقية كامب ديفيد التي وُقعت أواخر السبعينات هي اكبر الكوارث للأمة العربية وأولى خيبات الامل للفلسطينيين، تلاها خذلان متعاقب للزعامات العربية تجاه قضيتهم والحجة هي إحلال السلام، غضب العرب حينما وقعت مصر هذه الاتفاقية مع إسرائيل وعُوقبت مصر بتجميد عضويتها في الجامعة العربية لعشر سنوات كاملة، لكن هؤلاء العرب استمروا في مسار التطبيع مع إسرائيل وما كامب ديفيد الا بداية الطريق السلام المُر بين العرب والكيان الصهيوني.

والان وبعد كل الذي عصف بالأمة من ويلات ونكبات، استطاعت إسرائيل وحلفاؤها وببالغ الأسى أن تصنع ولاءات شعبية اشد تأييدا لها من الزعامات العربية المتخاذلة، فبعد ان وقعت الامارات اتفاقية التطبيع يوم الخميس (13/8/2020) هذا التاريخ الذي يجب ان لا تنساه الشعوب الحرة، تجد من بينها مؤيد ومرحب ومطبل لهذه الاتفاقيات، فبعد ان تم تقسيم المقسم وتجزئة المجزئ، وخلق صراعات وحروب داخلية، وازمات اقتصادية ومعيشية، واحلال الجهل وتقييد التعليم في البلدان العربية ما ولد افتقارا تاماً للوعي بالسبب والمسبب، والبحث عن سبيل الخلاص من ضنك العيش ومُر الصراعات "حتى وأن كانت على يد كافر!".. هذه العبارة التي لا طالما نتصفحها في وجوه المُثقلين في أوطاننا، والحجة هي العيش بسلام واستقرار! .

ذاتها الحجة التي ساقها أنور السادات في عام 1978 ونال عليها جائزة نوبل للسلام مناصفة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، بعد مباحثات كامب ديفيد التي تعد اول وثيقة سلام (عربية – إسرائيلية)،  تَنًص المعاهدة في مقدمتها على أن القاعدة المتفقة عليها للتسوية السلمية للنزاع بين إسرائيل وجيرانها هي قرار المجلس الامن الدولي رقم (242) بكل اجزاءه، والذي اُصدر في 22 نوفمبر 1967، في أعقاب الحرب العربية الإسرائيلية الثالثة والتي وقعت في يونيو 1967 والتي أسفرت عن هزيمة الجيوش العربية واحتلال الكيان  لمناطق عربية جديدة، وقد جاء هذا القرار كحل وسط بين عدة مشاريع قرارات طرحت للنقاش بعد الحرب. وورد في المادة الأولى، الفقرة أ: «انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلت في النزاع الأخير». وقد حذفت "أل" التعريف من كلمة "الأراضي" في النص الإنجليزي بهدف المحافظة على الغموض في تفسير هذا القرار، وإضافة إلى قضية الانسحاب فقد نص القرار على إنهاء حالة الحرب والاعتراف ضمنا بإسرائيل دون ربط ذلك بحل قضية فلسطين التي اعتبرها القرار مشكلة لاجئين، ويشكل هذا القرار منذ صدوره صُلب كل المفاوضات والمساعي الدولية العربية لإيجاد حل للصراع العربي الإسرائيلي.

وبعد توقيع الاتفاقية استعادت مصر شبه جزيرة سيناء، لم يلتفت المصريون والعرب آنذاك الى التنازلات التي قُدمت مقابل هذه الاستعادة، لكنهم اكتفوا بنشوة الانتصار المزعوم، وطعماً مغمساً بالخيانة بعد إحلال سلام منفرد.

ذاته الامر يتكرر الان بعد تطبيع العلاقات الذي خرج للعلن بين الامارات وإسرائيل برعاية محمد بن سلمان والذي سيمثل السعودية قريباً في خطة التطبيع، تحذو حذوه البحرين الذي أعلنت ذلك وترحيب لبقية الدول الخليجية، والتي لم ترى في أزمات العرب ونكباتهم الحالية وآلامهم إلا فرصة سانحة للمضي قدوماً بضرب فلسطين عرض الحائط، وكما يقول الكاتب الصحفي البريطاني إيان بلوك إنه رغم أن "التطبيع مع إسرائيل" جملة ما زالت تعد قذرة في اللغة العربية، فإن ذلك لم يمنع الإمارات العربية المتحدة، ثاني أكثر دول الخليج ثراءً وقوةً، من إبرام اتفاق سلام مع إسرائيل، بوساطة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يسعى إلى إعادة انتخابه في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

  فورين بوليسي (Foreign Policy) ترى ان معاهدة التطبيع -التي أبرمتها الإمارات مع إسرائيل وفاجأت العالم الخميس الماضي- كانت ثمرة لحوالي 20 عامًا من العلاقات السرية بين الطرفين، وإن بدايتها تعود إلى هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 في الولايات المتحدة، اذ خرجت العلاقة بين أبو ظبي وتل أبيب إلى العلن، رغم أنها كانت حديث العالم كله وكانت خيوطها المخفية ظاهرة للعيان في مستويات متعددة، بدت غالبا ضد القضية وأصحابها، وانحيازا للمحتل في محطات ولحظات حاسمة، واختار الحاكم الفعلي للإمارات محمد بن زايد أن يعلن الزواج السياسي بين أبو ظبي وتل أبيب بعد خطوبة استمرت عدة سنوات، واقترف فيها الطرفان كل المحرمات عربيا وإسلاميا، ورغم ذلك فقد نال هذا الزواج السياسي مباركة هيئة الإفتاء الإماراتية ببيان صادر عن رئيسها العالم الموريتاني عبد الله بن بيه الذي رأى أن مثل هذه العلاقات هي شأن سيادي للحاكم.

هذه التوقيت لا يقطع الشك باليقين عن علاقة ظاهرة وصريحة بين الامارات والكيان، لكنها تطرح السؤال والشك فيما يتعلق بتوقيتها الان، فهل الهدف من ذلك جر المنطقة لنزاعات قد تكون ايران أولى القوى التي ستُجر لهذا الصراع، اذا ما اخذ شكل النزاع العسكري، لكن عسكرياً هل ستكون فصائل المقاومة الفلسطينية بأسناد من حزب الله على دك اوكار المؤامرة؟ من سيكون السند للفلسطينيين من المجتمع الدولي، الذي يرى الان في العرب باب إسرائيل المفتوح على عواصم غير القدس المحتلة!

في هذه الحال يقف العرب التائهون في مجرات ازماتهم التي كبلها بهم حكامهم وانظمتهم السياسية التي لم تولي نظام حكم الدولة أي تخطيط واعٍ، يقف العرب من جديد امام لحظة تاريخية فاصلة، أما أن تكون هي بداية النهاية الحتمية لكل اوجاعهم أو ان القيود ستُفرض من أبناء الجلدة قبل أبناء العم.

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة