التطبيع في ذكرى اتفاق أوسلو

للكاتب  ميثم امين

عندما اشتد الحصار الإسرائيلي على الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات عام 2004, وقف (الختيار) وقد تدهورت حالته الصحية وقال: (بالأمس كان معي أبو حسن, أما اليوم فلا أحد معي) وكان يعني أبو حسن سلامة الذي اغتيل في بيروت مطلع العام 1979, وهو أحد القيادات الأمنية المقربة من عرفات ومؤسس القوة 17 نواة الحرس الرئاسي الفلسطيني.

يخيل إليك وقد بلغ عرفات من العمر حينها الخامسة والسبعين عاماً, قضى أكثره في الشتات والمعارك والتخطيط والكفاح واللقاءات المصيرية العلنية والسرية, أن الرجل كان ينتخب من ذاكرته الملآى بالصور والأحداث, كان ينتخب أسماء ومواقف محددة, يرى فيها خوابي ذاته المرهقة وآماله المبعثرة على طريق رحلته الطويلة في محطات الشتات الفلسطيني. لقد كان أبو حسن الذي يذكره عرفات بحسرة بعد استشهاده بربع قرن من الزمن, واحداً من تلك القيادات البارزة والعالية الكفاءة والتأثير القريبة من القائد الفلسطيني إبان الكفاح المسلح في الأردن ثم لبنان, مشكلين دائرة تحيط بعرفات, الذي كان بدوره يرى فيهم قوته وقدرته على التحرك والتفاوض والقتال من أجل إنجاح ثورته وتحقيق أهداف شعبه بعد نكسة حزيران 1967, إلا أن تلك الدائرة بدأت تتلاشى بخسارة رجالها الواحد تلك الآخر قبل اغتيال سلامة وبعده, فمن اغتيال أبي يوسف النجار وكمال ناصر وكمال عدوان عام  1973 في بيروت وليس انتهاء باغتيال رفيقي الدرب خليل الوزير أبي جهاد 1988 وصلاح خلف أبي إياد 1991 في تونس, مروراً بعشرات القادة حول العالم, ممن كانت تعتمد الثورة عليهم بشكل كبير, ليأتي العام 1992 ويرى عرفات نفسه وحيداً ليس معه إلا الخيبات والذكريات المرة واليقين بأن العالم كله أجمع على جعل كامل التراب الفلسطيني مستوطنة إسرائيلية, وأن الحكومات العربية ستساهم في إنجاح هذا المشروع وهي التي حملت السلاح في الأردن ولبنان لضرب المقاوم الفلسطيني بدلاً من المحتل الإسرائيلي وسخرت أجهزة استخباراتها لاغتيال القيادي الفلسطيني بدلاً من المخطِّط الإسرائيلي. استسلم عرفات لهذه الحقيقة ولم يبق أمامه إلا أمران أحلاهما مر, إما أن يرضى باتفاق مذل غير منصف يعترف بإسرائيل ويبقي للفلسطينيين قطعة من أرضهم وبشروط مجحفة وإما أن يضيع كل شيء وتتحقق مقولة جولدا مائير (لا يوجد شيء اسمه شعب فلسطيني).

وأمام هذا المصير المأساوي الذي انتهت إليه الثورة الفلسطينية والخذلان والتآمر العربي والدولي على قضيتهم وجد أبو عمار أنه المسؤول عن شعبه ومستقبله, فرضي أن يجرع كأس السم في أوسلو ويتحمل تبعات الاتفاق التي ستلاحقه إلى الأبد لا سيما اتهامه بالخيانة والمتاجرة بقضية شعب سلمه راية الكفاح من أجل تحرير الأرض.

في أسبوع الذكرى السابعة والعشرين لاتفاق أوسلو تعلن الإمارات والبحرين السلام مع كيان إسرائيل لا لإنهاء حرب كما جرى في مصر وكامب ديفيد 1978, بل هو إعلان الولاء والصداقة وإشهارهما دونما سبب غير الخيانة الصريحة, بعدما كان في ذلك حرج أمام الشعب العربي الثائر, فيما تعج صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بالدعوات للتطبيع مع الكيان الإسرائيلي, عسى أن تعيش الشعوب الخائبة حياة أفضل كما تصوِّر أو توهم تلك الدعوات, وصار ممكناً القول إننا نعيش أسوأ استسلام وتطبيع عربيين منذ وعد بلفور 1917 ليس على المستوى الحكومي وحسب ولكن على المستوى الشعبي أيضاً.

وبالنظر لهذا الواقع المر, أجزم أنا كاتب هذه السطور أن عرفات لم يذهب ويصافح شمعون بيريز إلا بعد رؤيته بحنكته ومعرفته ما نشهده في العام 2020 من واقع مهين لنا نحن العرب والمسلمين, وخيانة تُلحق بأهلها العار إلى الأبد, لا تزال الحكومات العربية مستعدة لممارسة المزيد منها, بعدما أوصلت شعوبها إلى حالة الضجر والنفور من حديث فلسطين وقضيتها, وصار حديث التطبيع هو المتداول. لقد أجبر عرفات ولم يرضَ يوماً, ولو وجد عربياً لا يطعنه من الخلف لما عدّ نفسه مجبراً ولما وقع الاتفاق, لكن الرجل بحنكته وتجربته بين المخيمات والقاعات والملاجئ والجبهات, رأى جلياً ما نعيشه نحن اليوم وربما القادم من أيام الهوان أيضاً.

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة