للكاتب ميشيل شحادة
يسعى الرئيس ترامب في رؤيته لـ “الشرق الأوسط” إلى إتمام “الصفقة الإبراهيمية”، حيث يعدّ التطبيع مع السعودية مفتاحاً لتوسيع التطبيعات عربياً وإسلامياً وفقاً للشروط الصهيوأمريكية. والهدف ليس مجرد علاقات طبيعية مع “إسرائيل”، بل إعادة تشكيل النظام الإقليمي بالكامل. وتهدف الخطة الامريكية إلى جعل “إسرائيل الكبرى” في قمة نظام جديد يتجاوز سايكس-بيكو، عبر تفكيك المنطقة إلى كيانات مذهبية وإثنية ضعيفة ومتضاربة اكثر. ويضمن ذلك استمرار الهيمنة الأمريكية، مع اضطلاع الكيان الصهيوني بدور الوكيل المباشر، بينما تظل الشعوب العربية عاجزة عن مقاومة هذا الاستعمار الجديد بسبب التجزئة المنهجية المتزايدة.
ويعتمد دونالد ترامب على تكتيك “إغراق الساحة”، الذي طوره مستشاره السابق ستيف بانون، كأسلوب لإرباك المشهد السياسي والإعلامي عبر سيل من التصريحات العاصفة، والمعلومات المضللة، والتحركات المثيرة. وهذه الاستراتيجية تجعله يهيمن على الإيقاع السياسي، بينما ينشغل خصومه الخارجين والداخليين، في محاولة تفكيك الفوضى التي يخلقها بشكل مستمر، مما يضعهم في موقف رد الفعل بدلاً من المبادرة. ويتبع ترامب في ذلك أساليب متعددة، منها القصف المتواصل بالأوامر التنفيذية، وتصعيد الأزمات، وخلق نقاشات جانبية تحيد التركيز عن القضايا الأساسية، مع توظيف الإعلام البديل ومنصات التواصل الاجتماعي لنشر سرديات مضللة يصعب مواجهتها. وهذا التكتيك ليس مجرد عشوائية، بل هو سلاح سياسي يهدف إلى خلق بيئة غير مستقرة لا تتيح لخصومه فرصة التجمع أو بناء استراتيجيات مضادة فعالة.
وفي ولايته الثانية، صعّد ترامب من استخدام هذا التكتيك، حيث أصبحت الفوضى الإعلامية والسياسية أكثر حدة، إذ أطلق قرارات متناقضة خلال أيام، وأثار جدلاً دولياً، كما فعل في قضية تهجير الفلسطينيين من غزة، محولاً كل أزمة إلى معركة إعلامية واستقطابية تبعد الأنظار عن تحركاته الحقيقية. هذه الفوضى المدروسة تحقق له مكاسب سياسية دون مساءلة حقيقية، كما تبقي قاعدته الشعبية في حالة تعبئة دائمة ضد ما يصفه بـ “النخب الفاسدة”، بينما يتراجع الإعلام التقليدي أمام سرعة نشر المعلومات المضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وفي سياق هذا التكتيك، جاءت تصريحاته حول تهجير الفلسطينيين من غزة الى مصر والاردن والاستيلاء على القطاع وتحويله إلى “ريفيرا الشرق”، وهو تصور يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية، تطهير عرقي بغطاء اقتصادي زائف. لكن الهدف الحقيقي لم يكن تنفيذ هذا المخطط مباشرة، بل استخدامه كورقة ضغط في المفاوضات مع السعودية، التي وضعت شرطاً للتطبيع يتمثل في إقامة دولة فلسطينية. اذ يريد ترامب مقايضة السعودية: التخلي عن مخطط التهجير مقابل تطبيع كامل مع “إسرائيل” دون الحاجة إلى دولة فلسطينية، مع إبقاء سكان غزة تحت وضعية قانونية مشوهة تمنعهم من ممارسة أي سيادة فعلية، مقابل ترتيبات تقضي بإقصاء حماس عن الحكم. بهذا الشكل، يكون ترامب قد أنجز أكبر خطوة في تصفية القضية الفلسطينية من معادلة “الشرق الأوسط الجديد.”
إلا أن ما يتجاهله ترامب – أو يتعمد عدم رؤيته – هو أن تصريحه هذا قوبل بموجة غير مسبوقة من الرفض العربي والدولي. فسرعة الردود من مصر والسعودية والأردن، وحجم التأييد الشعبي لهذه المواقف، أظهرت بوضوح أن تهجير الفلسطينيين ليس خياراً مطروحاً، وأنه حتى حلفاء واشنطن التقليديين لم يعودوا قادرين على التسليم بهذه المخططات بسهولة. بل إن الموقف الأوروبي، بما فيه الاتحاد الأوروبي، جاء رافضاً أيضاً لهذه الفكرة. ومع ذلك، لا يزال ترامب يكرر، دون تردد: “الجميع يحب مقترحي ويرحبون به بحرارة”. وهو بهذا يؤكد انفصاله عن الواقع السياسي، وعيشه في عالم من الأوهام، حيث يعتقد أن الفلسطينيين سيقبلون التهجير طوعاً، عندما “يرون ما أعددته لهم من أماكن إقامة فاخرة! “
وعلى الصعيد الداخلي، يخوض ترامب معركة لإعادة تشكيل الدولة العميقة لصالحه، عبر تفكيك نفوذ خصومه التقليديين في الحزب الديمقراطي، والمؤسسات الأمنية والعسكرية، ولوبي الشركات المرتبطة بالعولمة. لكنه لا يكتفي بذلك، بل يسعى إلى بناء دولة عميقة خاصة به، قائمة على تحالفات جديدة، أبرزها مع شركات التكنولوجيا الكبرى، بقيادة إيلون ماسك، الذي أصبح أحد أذرعه الأساسية. وهذا التحالف يتجاوز التأثير الإعلامي، ليعيد تشكيل النفوذ الأمريكي عبر السيطرة على المعلومات وتوجيه الرأي العام. ومن أبرز ضرباته في هذا الصراع تفكيك أدوات القوة الناعمة التقليدية، ما وضع خصومه في موقف دفاعي. ومع ذلك، لا تزال الدولة العميقة التقليدية، بقيادة المجمع العسكري الصناعي، تمتلك أدوات مقاومة ستعمل بها على إعاقة مشروعه لإعادة هيكلة السلطة الأمريكية.